أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
612
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والوبال : سوء العاقبة وما يخاف ضرره ، قال الراغب : « والوابل : المطر الثقيل القطر ، ولمراعاة الثّقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره : وبال ، قال تعالى : فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ « 1 » ، ويقال : « طعام وبيل » ، و « كلأ وبيل » يخاف وباله ، قال تعالى : فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا « 2 » . وقال غيره : « والوبال في اللغة ثقل الشيء في المكروه ، يقال : « مرعى وبيل » إذا كان يستوخم ، و « ماء وبيل » إذا كان لا يستمرأ ، واستوبلت الأرض : كرهتها خوفا من وبالها ، والذوق هنا استعارة بليغة . قوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ « مَنْ » يجوز أن تكون شرطية ، فالفاء جوابها ، و « ينتقم » خبر لمبتدأ محذوف أي : فهو ينتقم ، ولا يجوز الجزم مع الفاء البتة ، ويجوز أن تكون موصولة ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لمّا أشبه الشرط ، فالفاء زائدة ، والجملة بعدها خبر ، ولا حاجة إلى إضمار مبتدأ بعد الفاء بخلاف ما تقدّم . قال أبو البقاء : « حسّن دخول الفاء كون فعل الشرط ماضيا لفظا » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 96 إلى 100 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) قوله تعالى : وَطَعامُهُ : نسق على « صَيْدُ » أي : أحلّ لكم الصيد وطعامه ، فالصيد الاصطياد ، والطعام بمعنى الإطعام أي : إنه اسم مصدر ، ويقدّر المفعول حينئذ محذوفا أي : إطعامكم إياه أنفسكم ، ويجوز أن يكون الصيد بمعنى المصيد . والهاء في « طَعامُهُ » تعود على البحر على هذا أي : أحلّ لكم مصيد البحر وطعام البحر ، فالطعام على هذا غير الصيد ، وفيه خلاف بين أهل التفسير ذكرته في موضعه ، ويجوز أن تعود الهاء على هذا الوجه أيضا على الصيد بمعنى المصيد ، ويجوز أن يكون « طعام » بمعنى مطعوم ، ويدلّ على ذلك قراءة ابن عباس وعبد اللّه بن الحرث : « وطعمه » بضم الميم وسكون العين . قوله : مَتاعاً في نصبه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على المصدر وإليه ذهب مكي وابن عطية وأبو البقاء وغيرهم ، والتقدير : متّعكم به متاعا تنتفعون وتأتدمون به ، وقال مكي : « لأنّ قوله » « أُحِلَّ لَكُمْ » بمعنى أمتعتكم به إمتاعا ، كقوله : « كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية ( 15 ) . ( 2 ) سورة المزمل ، الآية ( 16 ) . ( 3 ) سورة النساء ، الآية ( 24 ) .